أحمد بن علي القلقشندي
263
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ما لم يبق غضبنا في يد أخيه منه إلَّا الأسى والأسف ، وحسّنت له الثّقة بكرمنا كيف يجمل الطَّلب ، وعلَّمته الطاعة كيف يستنزل عوارفنا عن بعض ما غلبت عليه سيوفنا : وإنّما الدنيا لمن غلب ، وانتمى إلينا فصار من خدم أيّامنا ، وصنائع إنعامنا ، وقطع علائقه من غيرنا ، فلجأ منّا إلى ركن شديد ، وظلّ مديد ، ونصر عتيد ، وحرم [ يأوي أمله ] ( 1 ) إليه ، وكرم تقرّ نضارته ناظريه ، وإحسان يمتّعه بما أقرّه عطاؤنا في يديه ، وامتنان يضع عنه إصره والأغلال الَّتي كانت عليه - اقتضى إحساننا أن نغضي له عن بعض ما حلَّت جيوشنا ذراه ، وحلَّت سطوات عساكرنا عراه ، وأضعفت عزمات سرايانا قواه ، ونشرت طلائع جنودنا ما كان ستره صفحنا عنهم من عورات بلادهم وطواه ، وأن نخوّله بعض ما وردت خيولنا مناهله ، ووطئت جيادنا غاربه وكاهله ، وسلكت كماتنا فملكت دارسه وآهله ، وأن [ نبقي مملكة ] ( 2 ) هذا البيت الَّذي مضى سلفه في الطاعة عليه ، ويستمرّ ملك الأرمن ( 3 ) الذي أجمل السّعي في مصالحه بيديه ، لتتيمّن رعاياه به ، ويعلموا أنّهم أمنوا على أرواحهم وأولادهم بسببه ، [ ويتحقّقوا أن أثقالهم بحسن توصّله إلى طاعتنا قد خفّت ، وأنّ بوادر الأمن بلطف توسّله إلى مراضينا قد أطافت بهم وحفّت ، وأنّ سيوفنا التي كانت مجرّدة على مقاتلهم بجميل استعطافه قد كفتهم بأسها وكفّت ، وأن سطوتنا الحاكمة على أرواحهم قد عفت عنهم بملاطفته وعفّت ؛ فرسم أن يقلَّد كيت وكيت ويستقرّ بهذه المملكة الفاسدة استقرارا لا ينازع في استحقاقه ، ولا يعارض فيما سبق من إعطائه له وإطلاقه ، ولا يطالب عنه بقطيعة ، ولا يطلب منه بسببه غير ] ( 4 ) طوية مخلصة ونفس مطيعة ، ولا تخشى عليه يد جائرة ، ولا سريّة في طلب الغرّة سائرة ، ولا تطرق كناسه أسد جيوش مفترسة ، ولا سباع نهاب مختلسة ؛ بل تستمرّ بلاده المذكورة في ذمام
--> ( 1 ) في الطبعة الأميرية « وحرم تأوي الملَّة » . والتصحيح من حسن التوسّل . ( 2 ) في الطبعة الأميرية « وأن يبقى ملك » . والتصحيح من حسن التوسّل . ( 3 ) في حسن التوسل « الأرض » وهو تحريف . وما أثبتناه من الطبعة الأميرية . ( 4 ) الزيادة من حسن التوسّل .